الأحد، 9 مايو 2010

فضيحة فساد جديدة : تبرعات منكوبي الحسكة في أيدي تجارنا

كلنا شركاء


رز أبيض

لم يكن ينقص سكان الحسكة الذين هجرهم الجفاف وإهمال الحكومة وفريقها الاقتصادي سوى أن تذهب تبرعات المنظمات الدولية الإنسانية إلى تجار السوق السوداء والمحتكرين.

في أحد محلات بيع الجملة في مدينة الحسكة المنكوبة كومة من أكياس الأرز المقدمة هدية من الشعب والحكومة الايطالية ومذيلة بعنوان عريض بالأزرق (برنامج الأغذية العالمية)، وكيلا يذهب أحد إلى القول أو يتساءل بأن مواطناً أو عدة مواطنين باعوا مستحقاتهم، الإجابة بسؤال آخر: الكيات الكبيرة والمقدرة بالأطنان من أين جاءت؟
صاحب المحل أكد أن هناك مستودعات تعج بالبضائع من نفس المصدر، ليس الرز فحسب بل الحرامات والمعلبات وسواها.
أحد المواطنين قال لكلنا شركاء: السبب في وجود هذه الكميات يعود إلى أن المسؤولين يرفعون أسماء كامل القرية المتضررة أما من يتم التوزيع عليهم لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، وباقي البضائع يلتهمه التجار والفاسدون.
السؤال الكبير: باقي أهالي الحسكة الذين تفرقوا في المحافظات أين حصصهم؟

الاثنين، 1 مارس 2010

عندما يكتب الفقر رسالة الموت

النداء

لن يفلح أي كاتب في وصف ما يجري هنا، ولا يمكن لأي قاص أن يكتب القصص والحكايا، وحده الفقر يرسم خارطة الموت البطيء لجزيرة الخيرات في سورية، الجزيرة التي ظلت دوماً سلة الغذاء السورية، تفترس من قبل أقدم أعداء البشرية وأكثرهم ضراوة؛ إنه الفقر الذي ينهش أجساد الناس هنا وأحلامهم.
في سوق المكاريد التقينا أبو ميزر (جمع مكرود وتعني بالعربية الشاوية المنبوذ وتعيس الحظ)؛ سوق المكاريد ليست التسمية الرسمية لهذا السوق بل إنه وصف فضل أبو ميزر أن يصفه به، هذا السوق الذي يجتمع فيه كل صباح المواطنون السوريون العرب القادمين من قرى وريف جنوب القامشلي وخاصة تلك القرى المحيطة ببلدة تل حميس.
يقول أبو ميزر الخمسيني العمر "إنني آتي كل صباح لشراء بعض مستلزمات دكاني الصغير في القرية التي تبعد عشرين كيلومتراً من القامشلي، وما أقوم به تجوالاً بين أزقة هذا السوق، هو شراء بعض حاجيات أهل القرية من دواء ولباس وبعض الأغراض، حيث يفضلون أن يطلبوا من أي شخص أن ينزل للقامشلي ويشتري حاجياتهم من أن ينزلوا هم، وبذلك يستطيعون توفير أجرة الطريق ذهاباً وإياباً. كما أن سائقي السرافيس والميكروباصات الصغيرة التي تقوم بنقلهم من القرى إلى القامشلي، يقومون بنفس الشيء، حيث يشترون حاجيات الآخرين، في حين يفضل الأهالي عدم النزول إلى السوق، توفيراً للمصاريف الزائدة".
سوق المكاريد، على وصف أبو ميزر واحد من تلك الأسواق الكثيرة في القامشلي، التي باتت شبه خاوية إلا من بعض المتسوقين، والذين لهم حاجيات ضرورية يجب شراؤها، من قبيل الأدوية وبعض حاجيات البيوت غير المتوفرة في دكاكين القرى البسيطة.
صحفي كردي من القامشلي يصف الوضع بالقول "إن الأوضاع المعيشية لعرب المنطقة هي أسوء من أوضاع الأكراد فيها؛ صحيح أن الأوضاع بالمقارنة مع أوضاع البشر في المدن الأخرى كلها سيئة على الجميع، إلا أن عرب المنطقة يلفظون أنفاسهم بعد سنوات من الجفاف وانحباس الأمطار".
ويضيف "إن معظم الأكراد يمتهنون بعض الصناعات اليدوية، وغالباً ما يعملون في البناء والحدادة والأسمنت، والتمديدات الكهربائية، أي أن لديهم مهنة، كما أن كثيرين منهم هاجروا إلى الداخل السوري، حيث يجدون هناك ما يعملون به. في حين أن العرب نادراً ما تجد أحدهم يعمل في مثل تلك الأعمال؛ كان معظم قوتهم يعتمد على الزراعة وما تمنح الأرض من خيرات، أما بعد هذه السنون من القحط، فإن أحوالهم يرثى لها".
أم سلامة عجوز كبيرة في العمر من إحدى قرى ريف القامشلي قالت بلهجتها البدوية الجميلة "والله حنا ميتين، ليش الموت بس دفن بالتراب، لو تدور كل القرية ما تلاقي خمس مية ليرة".
أم سلامة مريضة بالسكري وزوجها مريض بالربو، يحتاجون شهرياً إلى ما لا يقل عن ألف ليرة سورية ثمن للدواء، ناهيك عن الأكل والشراب وما يحتاجه البيت من حاجيات ضرورية.
قصص المعاناة لا تنتهي؛ أحد الأستاذة من قرى تل حميس يروي لنا: "طلبت من الطلاب كتابة درس القراءة مرتين، وإذ بأحدهم كتبه مرة واحدة، فسألته لماذا؟ فرد علي قائلاً: "أستاذ أبوي قال لا تكتبها أكثر من مرة، لو خلص دفترك، ما عندي أجيبلك واحد جديد".
أحد مسؤولي حزب البعث من قرى تل حميس قال "نحن وضعنا قيادة الحزب بكل تفاصيل أوضاع الناس هنا، ولكن لا جدوى من هذا أبداً، بدون مبالغة إن الناس تموت جوعاً هنا، وما تنفع سلات الغذاء الممنوحة بأي شيء، فهي بحكم الفساد تهدر وتسرق".
المسؤول الذي فضل عدم ذكر اسمه أضاف "لقد طرحنا في اجتماعنا مع مجموعة وزراء جاؤوا إلى القامشلي، ضرورة منح المحافظة حلولاً إسعافية، إلا أنهم سمعوا وطنشوا".
الصحفي الكردي قال إن سياسات النظام السوري لتهجير وإفقار منطقة الجزيرة، لم تؤثر سلباً على أكرادها بقدر ما أثرت على السكان العرب وغيرهم، إن الجزيرة كلها تحترق بنيران الاضطهاد الحكومي، والنظام يسد أذانه عن أي مطلب من مطالبنا الإنسانية في العيش بأدنى مستويات الحياة الكريمة، فالناس هنا لا تريد سوى أن تأكل وتشرب وتجد مكاناً تأوي إليه".
الفقر هنا يكتب رسالة الموت غير المعلن، إنه يحضر جنازة الجزيرة السورية، صاحبة الخيرات، بقرة سورية الحلوب، بات أهلها إما مهجرين ونازحين في دمشق وحلب وباقي المدن السورية، أو غرباء في لبنان والأردن يعملون في أكثر الأعمال مشقة وخطورة، في حين أن الحكومة تغفل عن مشاكلهم، فلا تسعى لتحسين أوضاعهم عبر فتح مشاريع تنموية وصناعية وتجارية، وما تزال الجزيرة السورية محرومة من إيرادات النفط الذي يستخرج كله من أراضيها، كما حال كل الوطن.
أطلقت الحكومة السورية مشروع تنمية المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية من سورية في آذار 2007، إلا أن هذه الفكرة ظلت في الأدراج ومرسومة على الأوراق، هذا إن كانت هناك مشاريع أصلاً، فلا معمل ولا مصنع ولا أي مشروع من شأنه إيجاد فرص عمل لأبناء الجزيرة، على العكس تماماً، وبحسب موظف في المصرف العقاري فرع الحسكة فإن المصرف قد قام بمنح أكثر من ثمانمائة مليون ليرة سورية على هيئة قروض لمشاريع وهمية، لبناء مصانع ومعامل بسيطة، ولا يوجد على أرض الواقع إلا الغبار، فأين تذهب أموال الشعب؟ وأين هي المشاريع التنموية أيتها الحكومة العتيدة؟
سوق المكاريد، أبلغ وصف لما آلت إليه أحوال البؤساء في الجزيرة، ولو كان فيكتور هوجو حياً يرزق لأعاد كتابة روايته "البؤساء" من جديد حيث سيكون أبطالها أهل الجزيرة السورية الخيرة، ولو كان الإمام علي ابن أبي طالب كرم الله وجه حياً، لاستل سيفه، وكرر مراراً حكمته المشهورة "لو كان الفقر رجلاً لقتلته".

الأحد، 28 فبراير 2010

مخيمات البؤس والعزلة على اطراف الجنوب السوري... 300 ألف نسمة اقتلعهم الجفاف والجوع في الجزيرة بين دجلة والفرات

زينة ارحيّم- عامر مطر - الأحد 28 شباط 2010

الجفاف والجوع يقتلع اهالي الجزيرة - السورية بين دجلة والفرات في شمال سوريا الشرقي، ويرميهم في مخيمات لجوء وعمل في الجنوب قريباً من دمشق. في مخيمات النزوح هذه تنشأ علاقات اجتماعية جديدة اقرب الى "اقطاع السخرة" الذي يؤسس لاحقاً للعمران العشوائي ومجتمعات البؤس الجديدة.

"أربعون عاماً أو أكثر"، هو الزمن الذي يشعر محمد الحمد بانقضائه على عشيه في المخيم، رغم أن عمره لا يتجاوز السابعة بعد. سبع سنوات عجاف، كما في الاساطير القديمة، عاشها محمد في خيمة صغيرة، مع عائلة وصل عدد أفرادها إلى ثلاثة عشر فرداً. من جفاف الجزيرة السورية التي تشمل محافظات الرقة، ودير الزور، والحسكة، هربوا إلى أرياف دمشق، ودرعا، وحمص، مع ستين ألف عائلة أخرى، بعد أن حكمت عليهم الجهات الرسمية السورية بالنسيان. مثل كل أطفال المخيم، لا يذهب محمد إلى مدرسة، فيمضي الوقت في جمع الحطب، واللعب بالحصى والتراب، متمنياً ان يسرع الزمن به، فيكبر ويصير شاباً وعاملاً سورياً في لبنان، كأخوته الثلاثة، أو عتّالاً كوالده. 60 الف عائلة نزحت من جفاف الجزيرة السورية، وحطت رحالها في مخيمات كثيرة على اطراف الجنوب السوري. واحد من المخيمات تنزل فيه عشرون عائلة، يتجاوز عدد الواحدة منها العشر، وتجمعهم صلات القربى والغربة والجفاف والنبذ والنسيان والفقر في هذا المخيم قرب كناكر التي تبعد 50 كلم من دمشق وامتاراً من بيوت كناكر نفسها. يعمل نازحو الجزيرة الصيف كله، النساء في الزراعة، والرجال في البناء وأي عمل آخر يحتاج الى جهد عضلي، متنازلين عن شروط الحماية من حرائق الشمس وصقيع الشتاء. فالمطر وتوقف العمل يحكمان عليهم بإقامة جبرية في خيمهم، لأن عودتهم الى منازلهم في القرى التي تتطلب 300 دولار، كأجرة سيارة تنقلهم مع خيمتهم، أي مايعادل أجرة عمل 60 يوماً.

الجفاف والعودة المستحيلة

هذه التكاليف الباهظة جعلت العودة الى القرية مرتبطة بحوادث الموت أو الأعراس التي أصبحت نادرة حالياً. يتشكل وفد صغير من المخيم، ليؤدي واجبات العزاء والتهاني بأقل التكاليف. أما العودة النهائية، فتنتظر عودة غزارة نهر الخابور والأمطار والزراعة إلى أراضي الجزيرة التي هجرها المطر منذ أربعين عاماً، وفق التقرير الأخير لمنظمة الأغذية الدولية "الفاو". وأدى رفع الحكومة سعر الوقود ثلاثة أضعاف قبل موسم الحصاد العام 2008 إلى زيادة تكاليف الري على المزارعين. فقفزت تكلفة دونم القمح من 80 دولاراً تقريباً، إلى مئتي دولار. هذا إضافة إلى خسارة من يملكون أقل من مئة رأس من الماشية - وهم يشكلون ثلث المربين تقريباً - ما يزيد عن 70 في المئة من قطعانهم، من دون أن يتمكنوا من تغطية تكاليف الأعلاف، ودفع فوائد القروض التي احتاجوا اليها لشرائها، وفق تقرير بعثة الأمم المتحدة المشتركة لتقييم أثر الجفاف في الجزيرة السورية. هذا ما دفع الناس الى الهجرة من مناطق، الجزيرة الزراعية، إلى المناطق الأخرى من سوريا، طلباً للعمل المأجور. ونتيجة هذه الظروف القاسية التي حملتهم على الرحيل من ديارهم سموا "نور الجزيرة". وفقاً  لأحمد المهباش، رئيس اتحاد الفلاحين في الرقة. وفي الوقت نفسه، أكد زميله في الحسكة خضر المحيسن، أن "مستويات الفقر في شرق سوريا تبلغ 80 في المئة". وجهة الهجرة الغالبة لأهالي الجزيرة هي الجنوب السوري، للعمل في أرض الآخرين، تاركين خصوبة أراضيهم للجفاف وعبث الطقس والمناخ. فأغلب أراضي الجزيرة بين نهري دجلة والفرات تعتمد الآن، بعد الجفاف، على الزراعة البعلية ومياه الآبار الارتوازية. هذا فيما كانت الجزيرة تنتج 70 في المئة من القطن. أما المتضررون من الجفاف في السنوات العشرين الاخيرة، فيبلغ عدده 1,3 مليون شخص، وفقاً لأرقام الصندوق الانمائي للأمم المتحدة، والاحصاءات الحكومية.

الشاويش - الإقطاعي

في كل مخيم من مخيمات نازحي الجفاف، "شاويش"، أي مختار،  يؤمّن فرص العمل لهم، ويقتطع من أجورهم حصّة قدرها نصف دولار عن كل يوم عمل، ويعطي العاملة ما يقارب ثلاث دولارات ونصف الدولار يومياً. أما العامل فتصل أجرته إلى خمسة دولارات ونصف في أيام العمل المؤقتة. أهالي مخيم كناكر يتبعون أبو فايز، "ابن عمهم" في لغتهم البدوية، وهو الشاويش الذي يسكن في خيمتين مع زوجتيه وأطفاله البالغ عددهم 16 ولداً. تتوسط الخيمتين الأزهار الاصطناعية الباهتة، وأعلام سوريا المهترئة من الرطوبة، ومدفأة الحطب المخزّن، "لأن البرد يمنعنا أحياناً، من الخروج للبحث عن الحطب، الذي يبعد وجوده 4 كلم من منطقتنا"، وفقاً لأبو فايز، الشاويش.

الجوع وسوء التغذية

على الحطب يطبخون بعض الخضار من الأراضي التي يعملون فيها. واذا غابت الخضار، يأكلون خبزاً مغمساً في الشاي. وهذا ما ترك على أجسامهم آثار سوء التغذية. أما من لم يغادر جفاف الجزيرة من أقرانهم، فتؤكد الاحصاءات أنهم يعانون من الجوع. فحالات سوء التغذية الناجمة عن الفقر زادت بنسبة بنسبة 370 في المئة في الحسكة، و67 في المئة في الرقة، و229 في المئة في دير الزور. أما الارض التي أقام عليها النازحون مخيماتهم، فلها أجر يرتفع وينخفض تبعاً للمكان. لكن النازحين الى كناكر سمح لهم بالإقامة مجاناً، طالما أنهم يعملون عند مالكي الأرض وأما  أهل المخيمات الأخرى، فلم يحظوا بهذه الميزة واضطروا الى دفع ايجار الارض التي ينصبون عليها خيمهم. مع أجرة الأرض هناك كلفة الكهرباء. فلكل مخيم عدّاد كهرباء وحيد يخدم أهل المخيم، لإنارة المصابيح. وهناك ايضاً بئر ماء تبعد 200 م من المخيم، يحضرون منها ماء الشرب والاستحمام والطهو والتنظيف. أما مياه الصرف الصحيّ فصنعوا لها أقنية ترابية لتخرج من الخيمة وطبيعة الارض الترابية وقلة استعمالهم الماء النادر، تركتا آثارهما على هاماتهم المغبرة المشعثة.

العزلة والنسيان

مخيم كناكر ككل مخيمات نازحي الجزيرة يعيش أهله حياة معزولة عن أهالي المنطقة، وفقاً لأبو غازي، أحد أكبر مالكي الأراضي في كناكر: "لا نساعدهم ولا يساعدوننا، هم عمال ونحن أصحاب أرض، يعملون ويقبضون، ولا نتعاطى مع بعضنا في غير العمل". يؤكد الشاويش أبو فايز كلام ربّ عمله، ويضيف: "إن فكروا بمساعدتنا، يرسلون ما يزيد من طعام أفراحهم لنا، خير من رميه الى الكلاب". وهم أسقطوا ايضاً من حسابات مساعدات الأمم المتحدة التي اعتبرت النزوح نتيجة مؤقتة لكارثة الجفاف، وهي تعمل على حل المشكلة الأساسية في مكانها لا مع نتيجتها التي شردت  300 ألف شخص على الاقل. وحاولت الأمم المتحدة جمع مساعدات مالية طارئة لسوريا تبلغ 53 مليون دولار، فلم تحصل على أية أموال من الدول المانحة بسب الحظر الاقتصادي على سوريا، فتم الإعلان عن خطة لمعالجة أزمة الجفاف بالتعاون مع الحكومة السورية. المفوضية الأوروبية لشؤون اللاجئين التي استجابت مع منظمات الأمم المتحدة الأخرى الى الكارثة، وزعت هذا الشهر 100 ألف حصة غذائية في الحسكة لـ50 ألف شخص، إضافة إلى 5 صهاريج ماء.  أما المنظمة الوحيدة التي تعاملت مع النازحين، فهي "اليونيسيف"، فشملت أطفال المخيمات بحملة لقاحاتها الأخيرة. الجهات الحكوميّة لم تقدم سوى أكياس صغيرة، فيها القليل من الأرز والسكر، وزعتها لمرة واحدة سنوياً، في ريفي الحسكة ودير الزور، من دون أن توزع كيساً واحداً في مخيمات النازحين. شح المساعدات رافقه صمت الإعلام السوري، فلم تتحدث أي من الصحف الرسمية والخاصة عن النازحين، إلا في بعض الأخبار الصغيرة عن الجفاف، وموت الزراعة.

جريدة النهار اللبنانية- العدد 23972

الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

الجفاف في سوريا: ما العمل بعد وقوع الكارثة؟

جريدة الأخبار – ورد كاسوحة

إذا صحّ الخبر (وهو صحيح) الذي أوردته صحيفة «فايننشال تايمز» قبل نحو شهر عن حجم الجفاف في سوريا، فهذا يعني أننا نسير في خطى حثيثة نحو الهاوية. والغريب في الأمر أن حدثاً بيئياً بهذه الخطورة لم يجد صحيفة عربية واحدة (عدا بعض الاستثناءات) تضيء عليه، أو تفرد له حيّزاً وإن ضئيلاً على صفحاتها. لنقل إنه تأثير التيار المهيمن على الصحافة العربية، وتغليبها بفعل هذا التأثير العامل السياسوي الرديء على مصالح الناس وحيواتهم، وخصوصاً الفقراء منهم.
ومن يقرأ خبر «الفايننشال تايمز» جيداً يدرك أن شبح الجفاف بات يهدّد أكثر من منطقة سوريّة، لا منطقة الجزيرة (شمال شرق سوريا) وحدها، بما في ذلك مناطق مصنّفة حالياً أنها مناطق «خصبة» و«وفيرة المياه». وقد بدأت فعلاً معالم هذا التمدّد بالظهور في أماكن معينة من حمص وحماة على ما تقول الصحيفة. فالمساحات المائية في سوريا قد يصيبها ما أصاب نهر الفرات من انحسار لأسباب لا تنحصر فقط بالاستغلال التركي الفظّ لمياه هذا الأخير.
وإذا كان هذا الاستغلال المتمادي يفسّر إلى حدّ كبير حجم الكارثة في منطقة الجزيرة، فماذا عن اضمحلال الأراضي المزروعة ويبابها في مناطق بعيدة عن الجزيرة؟ مناطق تستمد مياهها من أنهار أخرى غير نهر الفرات (أنهار العاصي وبردى واليرموك وقويق...إلخ). فالمعروف مثلاً عن سكان دمشق أنهم يستجرّون الماء اللازم لاستهلاكهم من «نبع الفيجة» لا من نهر بردى الذي «جفّ» منذ زمن بعيد، وبات مجراه مكاناً «لتجميع» القاذورات والنفايات على أنواعها. ولا نعلم على وجه التحديد ما إذا كانت مياه «نبع الفيجة» قادرة في ظل نمط الاستهلاك المفرط لها على تلبية احتياجات ما يزيد على ثلاثة ملايين نسمة هم عدد سكان دمشق! وإذا أضفنا إلى هذا الكمّ الكبير من السكان أعداداً متزايدة من اللاجئين العراقيين (هذا تحليل واقعي ولا يمتّ بصلة إلى النزعة العنصرية المستجدة لدى البعض في سوريا) ومن النازحين من الشمال الشرقي (تقول الأمم المتحدة إن أعدادهم تفوق ثلاثمئة ألف نازح!) نكون أمام محصلة مأساوية كفيلة باستنزاف كل الموارد المائية (على قلّتها) التي تتغذى عليها العاصمة دمشق. ثم ماذا عن نهر العاصي الذي يروي المنطقة الوسطى في سوريا ويمرّ بحمص وحماة. ألم تتقلّص مياهه إلى حدود غير مسبوقة؟ حدود لا تكاد تكفي حاجة الناس إلى الري والزراعة والاستهلاك.
و«من دون أن نأتي هنا» على أمر يغفله كثير من المسؤولين، يتعلق بحصّة سوريا من نهر لا ينبع من أراضيها، بل من أراضي بلد شقيق. بلد لا تزال مشاكله مع شقيقته تعوق طرحه لموضوع أحقيّته في ماء النهر، وما إذا كان سيقدم مستقبلاً على استغلال هذه المياه بالطريقة التي يراها مناسبة. هل طرح أحد في سوريا على نفسه سؤالاً من هذا القبيل؟ وهل يقدّر الناس في المنطقة الوسطى مدى انعكاس هذا الأمر على أنماط استهلاكهم المستقبلية لمياه العاصي؟
قد يبدو الكلام عن أزمة مياه في حمص ودمشق وحلب بمثابة ترف إذا ما قيس بالكارثة في منطقة الجزيرة، إلا أنه يبقى ضرورياً، كي نتفادى مستقبلاً مصيراً مماثلاً لمصير جيران الفرات.

الجفاف في سوريا دفع الحكومة إلى استيراد كميات هائلة من القمح للمرة الأولى منذ عقد كامل

هذا التخبّط في التخطيط للاحتياجات المائية ليس وليد قصور في الرؤية فقط، بل هو أيضاً وليد نهج كامل في تبديد الثروات المائية. ذلك أن الأمن المائي هو مكوّن أساسي من مكوّنات الأمن القومي لأي دولة، والتفريط به وتركه فريسة لمطامع دول المنبع هو انتقاص من سيادة هذه الدولة على أراضيها. فكما نتشارك سيادياً مع دول الجوار في المعابر الحدودية، كذلك يجب أن تكون عليه الحال في المساحات المائية. هذا المعيار النظري ليس شعاراً «للتشدّق» «بسيادة وهمية» بل هو ضرورة وجودية لتحصيل الحقوق، تماماً كالضرورة الوجودية التي ينطوي عليها نضال الجولانيين لاستعادة أرضهم ومياههم، وانتزاعها بالقوة (إذا أمكن) من إسرائيل.
طبعاً لا يمكن المطابقة بين الحالتين الإسرائيلية والتركية، وإلا نكون قد دخلنا منطقة محظورة تخلط العدو بالصديق (رغم الماضي العثماني البغيض لهذا الصديق)، ولا تميّز بين النضال ضد المحتل لاستعادة الأرض والمياه والضغط على الجار الإقليمي بالوسائل السلمية لتحصيل الحقوق المنقوصة في المياه. والطور الحالي من العلاقات مع تركيا (وخصوصاً بعد إنشاء مجلس التعاون الاستراتيجي وإلغاء تأشيرات الدخول بين الدولتين) قد يساعد النظام في الشام على تذليل بعض العقبات التي تعترض الملف المائي الشائك بين البلدين، ولكن ليس بالقدر الكافي للقول بأن المسألة قد سويّت تماماً. هنا يأتي دور مجموعات الضغط (إذا كان لها من وجود أصلاً) لحمل النظام على تقديم رؤية واضحة لمشاكل الأمن المائي والغذائي في البلد. والأخبار الواردة عن موضوع الأمن الغذائي لا تبشّر بالخير أبداً، إذ إن الجفاف الحاصل في شمال شرق سوريا دفع بالحكومة إلى استيراد كميات هائلة من القمح للمرة الأولى منذ عقد كامل. بكلمة أخرى، أفقد النزوح الكثيف من مناطق الجفاف عشرات الآلاف من المزارعين أراضيهم، وحوّل سوريا، إحدى أهم الدول المصدرة للقمح في المنطقة، إلى مستوردة له، من دون أن تتوافر لدى الجهات المعنية أية بدائل ناجعة عن هذا الاستيراد. وانعدام البدائل هنا لم يأت من فراغ. ذلك أن إنتاج القمح في منطقة الجزيرة لا يمكن التعويض عنه بسهولة، و«من المحال» على أية جهة، حكومية كانت أو غير حكومية، أن تجد مصدراً آخر يوازي في طاقته الإنتاجية ما كانت تفعله عجلة زراعة القمح في تلك المنطقة النائية من البلد. فلا مضاعفة الإنتاج في مناطق أخرى من سوريا ستفي بالغرض، ولا الاستيراد من الدول الغربية المنتجة للقمح (أميركا وبعض الدول الأوروبية) سيؤتي أكله. فحتى هذا الأخير بات ممتنعاً علينا ومشروطاً بأمور لا تمتّ إلى «التنمية المستدامة» و«خطط معالجة الفقر» بصلة. وعلى من يبحث عن أسباب هذه الاشتراطات أن يتمعّن جيداً في ما أوردته «الفايننشال تايمز» عن الموضوع. إذ تقول الصحيفة في خبرها المشار إليه أعلاه إن الأمم المتحدة تحاول أن تجمع مساعدات مالية طارئة لسوريا تعويضاً لها عن موجة الجفاف بقيمة 53 مليون دولار، والمسعى لا يزال متعثّراً نظراً إلى امتناع العديد من الدول الغربية عن التسديد، والسبب طبعاً خيارات سوريا السياسية والإقليمية! (ما نفع توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي إذاً؟). ويمكن القول في هذا الصدد إن سوريا قد بدأت بالفعل تدفع ثمن خياراتها السياسية، بعدما تعذّر ذلك لسنوات طويلة، نتيجة للنهج الحمائي الذي جنّبها (رغم طابعه البيروقراطي المقيت) ولو إلى حين، الارتهان لشروط «المجتمع الدولي» ووصفاته المميتة.
أما اليوم، فالخيارات المتاحة أمام النظام لمواجهة الأزمة ليست واضحة، والبدائل الممكنة عن نهج «التسوّل» من «المجتمع الدولي» غير مطروحة. والمطروح اليوم مزيد من التخبّط، ومزيد من التورّط في النهج النيوليبرالي الذي يتغذى على حالات مماثلة، ويدفع بسوريا شيئاً فشيئاً إلى هاوية شبيهة بالهاوية التي تقبع فيها بلدان مجاورة مثل لبنان ومصر والأردن.
وعزاؤنا في هذا البلد أن وحش الرأسمالية الريعية لم يكبر بما فيه الكفاية، ولم يأت بعد على الجيوب الباقية المناهضة له كما حصل في لبنان ومصر. صحيح أن القطاع العام المفترض به أن يحتوي أزمة كأزمة الجفاف ينازع ويباع بالقطعة، وصحيح أيضاً أن بورجوازيي القطاع الخاص (الطفيليين طبعاً) سيستفيدون كعادتهم من الأزمة الحالية ومن عجز القطاع العام عن حلّها، ويعمدون إلى بيع الأوهام إلى الفقراء (أتصور أن صناعة المياه الجاهزة ستزدهر هذه الأيام!)، إلا أن حظوظ البلد في النجاة من الكارثة لا تزال قائمة. فالمجتمع (ليس كلّه طبعاً) الذي أسقط قانون الأحوال الشخصية القروسطي بالضربة القاضية، وأجبر منظّريه، ومن ورائهم النظام، على التراجع، قادر مجدداً إذا ما توافرت لديه القدرة والرغبة على أن يحمل النظام على مراجعة خياراته النيوليبرالية، والعودة عنها نهائياً قبل فوات الأوان. وعندها لن يعدم البلد (نظاماً وشعباً) الوسيلة الملائمة لحصر الخسائر، سواء قضت هذه الوسيلة بتبنّي خطط واضحة ومحدّدة المعالم لضمان أمننا المائي والغذائي (إن وجدت)، أو قضت بالضغط على دول الجوار الإقليمي لتحصيل ما أمكن من حقوقنا المائية المسلوبة. ولتكن البداية مع الجارة تركيا ما دام الحلم باستعادة مياه طبريّا لا يزال بعيداً.